17‏/10‏/2008

الأزمة المالية الأمريكية 2008

الأزمة الأمريكية المالية 2008

- الأزمة و مسبباتها
- خطة الإنقاذ

- آثار الأزمة على بقية الدول
- أمريكا بين حربها و أزمتها
- الأزمة المالية و الشرق الأوسط
- سورية و الأزمة المالية
- الأزمة المالية و أزمة الغذاء
- أمريكا بعد الأزمة
- الاقتصاد الإسلامي


الأزمة و مسبباتها:

من الطبيعي أن لا يستطيع أكثرنا الإحاطة بما يجري، وعند محاولة تتبع الأخبار الاقتصادية و المالية يجد الكثير نفسه أمام سيل من المصطلحات و التركيبات المعقدة التي ما أن يحاول أن يفهم أحدها حتى يفاجأ بسيل آخر من الاختصارات و المصطلحات التي وكما يشببها عزمي بشارة (أشبه بلغة ناد مغلق أو لغة كهنة في معبد الاقتصاد). هي أزمة تلك الأسواق التي يوجد فيها من ينتحر نتيجة خسارة مفاجئة، أو أن يربح أكثر من بليون دولار في يوم واحد (المضارب جورج سورس 16- أيلول - 1992).

الأزمة:

مع بداية عام 2001 حصل ازدهار كبير في سوق العقارات الاميركية، تغذى باندفاع الناس لشراء العقارات رغم عدم قدرتهم على ذلك في بعض الأحيان، مما شجع البنوك على تقديم قروض بمخاطر كبيرة ( اي لأناس لم تتم دراسة وضعهم المالي جيدا للتأكد من قدرتهم على سداد هذه القروض في حال تغير معدل الفائدة على القروض).

وقامت الكثير من مؤسسات الاقراض بتقديم قروض ضخمة لشركات العقارات و الانشاءات، ولمضاعفة الأرباح بدأت المصارف ومؤسسات الاقراض بالتسنيد أو التوريق Securitization ويعني:

تقوم البنوك التي قدمت القروض بجمع مجموعة من هذه الديون و القروض وتقديمها للاكتتاب كأصول، أي بيع هذه الديون إلى جهة ثالثة و تحويل القروض من مقرض إلى مقرضين آخرين. بشكل أوضح:تحويل القروض إلى سندات مالية وبيعها مما يؤدي إلى خلق المزيد من السيولة في السوق وضمان التدفق النقدي للشركات المقرضة و زيادة الأرباح بشكل كبير.

توقف سوق العقارات عن النمو، و ارتفعت اسعار الفائدة، مما أدى بشكل طبيعي لانخفاض اسعار المساكن و ارتفاع الفائدة على القروض. مما أودى بالكثير من أصحاب الحسابات المدينة للعجز عن تسديد أقساط القروض المستحقة للبنوك، مما أدى إلى أزمة ائتمان لدة البنوك (توقف العملاء الذين اقترضوا عن تسديد قروضهم) مما أضعف وضع البنوك المالي و مؤسسات الإقراض التي انخفضت أسعار أسهمها في البورصة مما دفع للكثير من أصحاب الودائع إلى سحب ودائعهم من هذه البنوك (أزمة سيولة) مما وضع الكثير من البنوك على حافة الإفلاس.

و بما أن البنوك تبيع القروض فيما بينها، فما أن ينهار المقترض، حتى ينهار البنك، وينهار البنك الذي أقرض البنك الأول وهكذا، كبناء انهار الطابق الأول فيه، بشكل طبيعي، ستنهار بقية الطوابق بالتدريج.

أسباب الأزمة:

لم تكن الأزمة المالية صدمة مفاجئة، بل إن هناك الكثير من المحللين و مراكز الدراسات ممن تنبأ بها من عدة سنوات.
مع بداية الالفينات بدأت اسعار المنازل تزداد بارتفاع زائد عن منحنى ازدياد مؤشر أسعار للمستهلك ( CPI ) بشكل لم يحدث خلال المئة سنة الماضية، وللمرة الاولى شملت هذه الفقاعة كافة الولايات كما لم يحدث منذ 1920

لماذا هبط سوق العقارات:

من الطبيعي ان يرتفع و يهبط اي سوق في الاقتصاد تبعا لدورة الاقتصاد، و السؤال الذي بجب أن نطرحه قبل أن نسأل لماذا هبط سوق العقارات، لماذا ارتفع سوق العقارات بشكل هستيري حتى هبط بهذا الشكل الهستيري ايضا؟؟

- حصل في التسعينات ارتفاع شديد جدا في أسهم شركات التكنولوجيا واستمر لبداية عام 2000، الجميع أراد أن يستثمر في (الدوت كوم) ويركب الموجة، وما أن تبدأ أي شركة ينتهي اسمها ب (دوت كوم) بطرح أسهمها حتى يتهافت المستثرمون و المضاربون لشرءا هذه الأسهم ثقة بارباح الشركة المستقبلية وبحجم الطلب على منتجاتها و خدماتها في السوق. مع مرور الزمن، وفي بدايات عام الالفين انفجرت فقاعة الدوت كوم مع وجود عرض أكثر من الطلب في السوق وحصل انهيار في اسهم شركات التكنولوجيا و انكماش مالي في سوق الاسهم بشكل عام.


مما دفع بالاقتصاد الأمريكي للدخول في تتالي الأحداث التالية:

- لدعم الاقتصاد و سحبه بعيدا عن ركود محتمل لتلك الأزمة، قام الاحتياط الفيدرالي بخفض معدل الفائدة وضخ سيولة في الاسواق.

- مع حدوث احداث أيلول 2001 ، و خوفا من انهيار الاقتصاد بقي معدل الفائدة منخفض جدا.

- بسبب ذلك امتلأ السوق بالمال، و وجد الكثير من المستثمرين في سوق العقارات ملجأ لتدوير أموالهم و تعويض الخسائر.

- بدأت أسعار سوق العقارات بالقفز مع جذبه للمزيد من المستثمرين و المضاربين ليساهموا في زيادة الارتفاع.

- بدأت المؤسسات المقرضة بالتنافس فيما بينها لتقديم قروض عقارية مع تخفيض المتطلبات وشروط الاقراض بشكل كبير وغير مدروس.

- مؤخرا، تغير اتجاه السوق لتنفجر فقاعة سوق العقارات.


ما الذي أدى إلى تفجر الفقاعة؟

- لسهولة الاقراض، نتيجة لثقافة الاستهلاك، والاقتراض للعيش برفاهية، كثير من الناس عندما بدأت تواجه أزمة في سداد قرض ما، وجدت الحل في اقتراض قرض آخر لتسد القرض الأول وهكذا، فوقعت في المزيد من الفوائد.

- مع ارتفاع معدل الفائدة، عجز الكثير عن دفع دفعات أقساطهم وفوائد هذه القروض.

- رافق ذلك ارتفاع في معدل البطالة في الدورة الاقتصادية، أي أن الكثير فقد عمله ومصدر دخله، ولم يعد قادرا على دفع الأقساط أيضا.

- قامت البنوك (تبعا لشروط عقود الاقراض) بالاستحواذ على البيوت التي عجز اصحابها عن دفع أقساط القرض والفوائد لتبيعه في السوق.


ما الذي حصل عندما استحوذت البنوك على المنازل؟؟؟

- انخفضت واردات البنك من السيولة (لا يوجد لا دفعات ولا فوائد، ولن يستطيع البنك حتى بيع المنزل لضعف الطلب في السوق).

- بدأت البنوك بدفع ضرائب على البيوت ( الضرائب القانونية على مالكي البيوت) مما أدى لزيادة المصروفات.

- لم تخطط البنوك لهذه المرحلة من زيادة النفقات و قلة الواردات و بدأت أسعار البيوت بالهبوط أكثر لزيادة العرض بشكل كبير على الطلب.

- بدأت البنوك تعاني من الافلاس لهذه الأسباب و الأسباب التي ذكرت في الأعلى.


ولزيادة فهم تساهل البنوك في مشكلة القروض ذات المخاطر العالية، لنتطلع على شروط البنوك للاقراض العقاري من 1930-1980:

- دفع 20 % من سعر المنزل عند بداية القرض.

- تقديم كافة اثباتات الدخل للمقترض.

- تقديم مستندات تثبت أهلية المقترض لدفع الدفعات و الفوائد بأوقاتها و دون تأخير.

- أن تكون دفعات القرض لا تتجاوز 28 % من دخل المقترض.

طمعا في الربح، تخلت البنوك في السنوات الأخيرة عن الكثير من هذه الشروط وراحت تعطي قروضا بمخاطر عالية بحماقة مما أوصلها لهذه الأزمة.

_______________________________________________

خطة الإنقاذ:

تقوم خطة الإنقاذ على تدخل الحكومة الأمريكية في السوق لنشل المؤسسات المالية المتعثرة والموشكة على الافلاس، باختصار تقوم بشراء الصفقات و القروض الخاسرة من هذه البنوك، وترك المضمونة منها للبنوك و الشركات.

تتضمن أهم أجزاء الخطة اعطاء الحكومة الضوء الأخضر لشراء أصول و صفقات متعثرة جراء أزمة الرهن العقاري بقيمة 700 بليون دولار.

- اعطاء الخزينة مبلغ 250 بليون دولار، مع امكانية رفع المبلغ ل 350 بليون دولار.

- تساهم الدولة في رؤوس اموال و ارباح الشركات المستفيدة من هذه الخطة، مما يسمح بتحقيق ارباح إذا تحسنت الظروف.

- رفع سقف الضمانات للمودعين من 100 الف دولار إلى 250 ألف دولار (هو سقف الودائع التي يعيدها البنك للعميل في حال افلاس البنك)

- منح اعفاءات ضريبية بحوالي 100 بليون دولار للشركات و الطبقة المتوسطة.

فيما يرى البعض أن الخطة ناجحة وستكفل انقاذ الاقتصاد الأمريكي من أزمته، يرى البعض أنها ربما تزيد الطين بلة ولن يكون لها إلا بعض الآثار الايجابية على المدى القصير و التي ستعود لتنعكس سلبا في المستقبل.


لماذا رفض مجلس النواب الأمريكي خطة الانقاذ في البداية:

عندما تقوم الدولة بشراء الصفقات الخاسرة من البنوك لتخفف عنها العبء، فمن هي الدولة؟
الدولة لا تملك ثروة حقيقية، أي أنه عمليا من يدفع الضرائب للدولة (المواطنين) هم من اشتروا هذه الصفقات و القروض الخاسرة.

الجزء الأكبر من خطة الإنقاذ يقوم على تعويض الشركات أولا، وليس اصحاب المنازل، اي أنه ينقذ بداية مسببي الأزمة !!

لننتقل قليلا إلى مفهوم الفكر الرأسمالي فهذا سيساعدنا أكثر في فهم ما يجري:

فلسفة الرأسمالية :

فلسفة الرأسمالة التي أسسها (آدم سميث) هي فلسفة سياسية و اجتماعية ترى أن الدولة يجب أن تنمي ملكية الفرد وتحميها و أن لا تتدخل في السوق، بل ترك السوق الحر ليحدد الأسعار و الانتاج و التوزيع بحسب العرض و الطلب، أي ليحكم نفسه بنفسه، وأن لا يتعدى دورها تقديم بعض الخدمات العامة (كبناء الجسور و الشوراع ..). ولكن مبادىء الرأسمالية وبنتيجة طبيعية أدت لإخضاع الدولة لسيطرة الأفراد الرأسماليين داخلها عليها و على سياستها. واصبحت الدولة تتبنى دعم اصحاب و رؤوس الاموال لجني المزيد من الارباح لأنها برأي الراسمالية الدافع الأكبر لأي تطور تكنولوجي أو اجتماعي أو علمي. أي أن هم الفكر الرأسمالي هو دعم البنوك و الشركات، دعم رؤوس الأموال التي تحولت لقوة ديكتاتورية على شكل شركات عابرة للقارات، تتحكم بالكثير من السياسات وترسم الكثير من ثقافات الشعوب لما تملكه من أجهزة إعلام تعد من ركائز قوته. و أدى إلى وجود رجال كجورج سورس الذي ذكرناه في المقدمة، وهو الرجل الذي اذا غضب من بعض الدول عاقبها بالتلاعب بقيمة عملتها ولربما الاطاحة بها والتحكم بمصير الملايين من سكانها، ويعد من أكبر صانعي الأزمات المالية خصوصا للدول الآسيوية (ماليزيا، تايلند ..) عام 1998.

ولا بد اليوم لهذا النظام من انقاذ أبنائه المدللين و انتشالهم من محنتهم و حمايتهم من الافلاس مهما تكن فاتورة ذلك، بالطبع من اهداف خطة الانقاذ أن تنقذ الطبقة المتوسطة (غالبية الشعب الأمريكي).

لأن النظام الرأسمالي يقوم على الطبقة المتوسطة لجني الأرباح، فهي الطبقة التي ليست ثرية وليست فقيرة، وذات العدد الأكبر في المجتمع، هي التي تشتري وتستهلك بأكبر صورة، ومنها يأتي الربح و المردود، إذا، يجب التأكد من وصول الدخل الكافي لهذه الطبقة لتتابع عملية الشراء و الاستهلاك، وتتابع بدفع عجلة الاقتصاد وجني الأرباح.

ولعل قبح هذه الخطة والوجه الأسود الذي ظهر للنظام الرأسمالي هو ما أدى إلى رفضها في المرة الأولى، وطالب النواب ادخال المزيد من الضمانات لأصحاب المنازل من الطبقة المتوسطة، وليس فقط لأصحاب رؤوس الأموال.
هل ستكفي الضرائب؟ بالطبع لا تكفي لذلك تقوم الدولة بالاقتراض، من المصارف و البنوك و تدفع عليها الفوائد، وهنا تتحقق الفائدة الثانية لأصحاب البنوك و الشركات.

و ترجو الحكومة الأمريكية من تطبيق هذه الخطة عودة الثقة للبنوك و أصحابها و عملائها لمتابعة أعمالها وجني المزيد من الثروة. وأن يتحسن وضع الاقتصاد مع مرور الزمن، فتقوم الحكومة ببيع هذه الصفقات المتعثرة بأسعار أعلى مما اشترتها به، فتستطيع الوفاء بديونها.


هل هذا منطقي؟ لا يمكن الحكم حاليا بمدى جدوى هذا التفكير، وإن كان احتماله ضعيفا، لأنه من الصعب جدا تقييم الأصول بشكل دقيق في هذه الفترة فالشفافية في تقييم الأصول و الثقة شبه معدومة في الفترة الأخيرة في السوق، لذلك لا أحد يعلم إن كان السعر الذي الذي دفعته الحكومة لشراء هذه الصفقات هو سعر منخفض حقا، وسيرتفع، أم أنه سعر مرتفع وسينخفض أكثر مع ثبات الاقتصاد.

ما الذي سيحصل، هل حقا هي خطة ناجحة؟
أثبتت التجربة (تجربة الدوت كوم) خطأ تدخل الاحتياطي الفدرالي لمنع ركود ما، لأنه سيقود لحدث أخطر بعد فترة من الزمن. وهو يعود الآن للتدخل !!! ولكن لعله الطريق الوحيد للنجاة مما هو أعظم، أو على الأقل تأخيره لأجل آخر.

يرى معارضوا خطة الإنقاذ أنه يجب محاسبة أصحاب القرار الذين سمحوا لهكذا سياسات بنكية بالاستمرار والوصول لهذه الأزمة، ويجب معاقبة البنوك أيضا و عدم مساعدتها، لأنها الآن ستعلم أنها كلما أخطأت هناك من سيتحمل خطأها، وستندفع كما فعلت نحو الربح الفاحش و السريع والتفكير قصير الأجل دائما، وأن خطة الانقاذ ليست سوى رسالة توجهها الحكومة الأمريكية للمؤسسات المالية و رؤوس الأموال، أخطئوا و سننقذكم. ويروا أنه يتوجب على البنوك للخروج من أزمتها القيام ببعض الاجراءات:

- أولها أن تضع البنوك حلول طويلة الأجل لمشكلة قصيرة الأجل: أي أن يعمل المقرضين بالقرب من اصحاب البيوت ويخفضوا الفائدة بنسبة معقولة أو أن يجعلوا القرض على فترة أطول (الدفعات الشهرية أقل)، فالقليل من التدفق النقدي الداخل خير من عدمه.
- تقديم قروض البيوت لأصحاب البيوت وليس للتجار و المستثمرين.
- وجود هيئات للرقابة على المقترضين، في حال زيادة الراتب يمكن زيادة الدفعات.
- في حال قامت البنوك بالخطوات السابقة فستبني ثقة كبيرة لدى العملاء مما سيجلب لها ربحا على المدى الطويل.

و لكن في حال تدخل الدولة للانقاذ، فبالطبع البنوك لن تفكر بأي شيء أقل ربحا.

بعض الفوائد المرجوة للطبقة المتوسطة في الخطة:
عندما تقوم الدولة بشراء الصفقات و القروض المتعثرة، غالبا ما ستقوم بإعادة هيكلة هذه القروض، سواء بتخفيض الفوائد عليها، أو بتمديد فترة سداد الدفعات،
فتعطي المقترضين فرصة لاكمال قروضهم و البقاء في منازلهم.


صحيح ان خطة الانقاذ قبيحة، ولكن ما قد يحصل لأميركا في حال لم تنفذ الخطة قد يكون أقبح.

_______________________________________________

آثار الأزمة على بقية الدول:

من هي أكثر الدول تضررا؟
كلما ازداد الارتباط المالي بأمريكا كلما ازداد الضرر، و كلما كانت الدولة متبنية للنظام الرأسمالي بتشدد كان الضرر أكبر. ابتداءا من أمريكا وبريطانيا الدولتين صاحبتي الفكر الرأسمالي المتشدد منذ عهد (ريجان و تاتشر). أما بقية دول أوربا فيتباين الضرر من دولة لدولة بحسب تبني الدولة للفكر الرأسمالي أو بالأحرى تاريخ تبنيها له. فأول الدول هي بريطانيا كما ذكرنا ثم اسبانيا. ثم كلما اقتربنا من المعسكر الاشتراكي (سابقا) جغرافيا نرى الدول أقل ضررا (فرنسا تليها الدول الاسكندنافية و ألمانيا التي تعد أقل دول أوربا تضررا، ولعل ذلك ليس غريبا على دولة كان قسم منها اشتراكي لفترة ليست ببعيدة، فهي لا تتبنى الراسمالية المتشددة التي تتبناها أمريكا و بريطانيا)


_______________________________________________


أمريكا، بين حربها و أزمتها:

الحرب على العراق و الأزمة المالية:

الحرب بالنسبة لأمريكا لها تأثير منشط على الاقتصاد على المدى القصير، ولكن كان لها تأثير سيء جدا على الاقتصاد على المدى الطويل، وهو ما شهده بوش في آخر ايامه.

الانفاق يؤدي إلى انتعاش الاقتصاد، ولكن يجب ان يكون الانفاق بهدف عائد ايجابي على المدى الطويل كالانفاق في قطاع التعليم الذي سيوفر عقول وخبرات أفضل للدولة تستفيد منها في المستقبل بزيادة ناتجها، أو الانفاق في الاستثمار في مشاريع يمكن بيعها مستقبلا بأسعار أعلى، ولكن الانفاق على الحرب مختلف:
أولا: أنت لم تبني جامعات أو مؤسسات تستفيد منها في المستقبل، أدوات الحرب تتدمر في الحرب ولا يمكن استمثارها.
ثانيا: الحرب كعكس بقية المشاريع، بدلا من أن تقدم لك عقول و خبرات يمكن الاعتماد عليها مستقبلا في تطوير المجتمع كالانفاق في قطاع التعليم، الحرب تخلف الكثير من القتلى، الجرحى والمرضى نفسيا والمعاقين جسديا و العاطلين عن العمل وهم من يكلفوا الدولة أكثر و أكثر من المصاريف و الاعانات.

فائدة الحرب على الاقتصاد متأصلة في الفكر الامريكي منذ القرن الماضي، ومنذ بدايات تعملق الاقتصاد الامريكي الذي لولا الحرب العالمية الثانية لربما لم تخرج امريكا من الكساد الاقتصادي الذي كانت تمر به. وبعض الاقتصاديين تمنى لو أن الحرب على العراق لن تنتهي لأنها توفر المزيد و المزيد من فرص العمل، ويطرح سؤال: أين ستنفق الحكومة اموالها إن لم تنفقها في الحرب؟

كان سيناريو الحرب المتوقع هو نصر سريع في ثلاثين الى ستين يوم قتال، يتبعه شهرين مطاردة للفلول، نصر سريع كأفغانستان، كوسوفو، حرب الخليج. ومن ثم تنخفض التكاليف لتوقف القتال.

و الفوائد المرجوة:
- تدفع الناس الى الانفاق.
- خلق المزيد من الوظائف و فرص العمل للأمريكيين.
- وأن تدفع الحرب فاتورتها بنفسها، من الفوائد التي ستجنيها أمريكا و شركاتها من وضع أيديها على منابع النفط، والاستمثارات المتوقعة.
إلا أن طول مدة الحرب و التكاليف الباهظة التي لم تكن في حسبان صناع القرار و استمرار المقاومة يوما بعد يوم، أصبح عبئا ثقيلا على الحكومة، وأصبح يستنزف أموالها بصورة سريعة و غير متوقعة.

هل سيضعف نفوذ أمريكا العسكري؟ رغم التوقعات أنها ستبقى القوة الابرز حتى عام 2025، سيتراجع الـتأثير الأمريكي، اقتصاديا، فسياسيا، فثقافيا على بقية شعوب العالم. ما تضرر أكثر من الاقتصاد الأمريكي، هو سمعة الاقتصاد الأمريكي، وثقة الناس بالفكر الرأسمالي الانغلوسكسوني Anglo-Saxon capitalism و الفكر الأمريكي في قيادة العالم، وستبدأ الكثير من الدول بالخروج من فلك الفكر الأمريكي.

والجميع يرى الآن أن أمريكا تخلت عن فكرها في الازمات، فلماذا يتبعوه في تجربتهم، لماذا لا يجربوا شكلا اقتصاديا جديدا، كالتجربة الصينية مثلا التي أصبحت بفضل نهجها الاقتصادي لاعبا دوليا قويا في السنوات الأخيرة، ومن أكثر الدول التي حافظت على استقرارها رغم عاصفة الأزمة.

ونتيجة للإفلاس الأمريكي، بالطبع ستتوقف مساعدات أمريكا لكثير من الدول وبالنتيجة ستخرج هذه الدول من الولاء الأمريكي لولاء آخر.في نفس الوقت، يرى الكثيرين أن ميزانية البنتاغون للتسلح (والتي تساوي تقريبا نصف ميزانية العالم في التسلح) لن تتأثر باعادة الهيكلة الاقتصادية في أمريكا، فهي وكما يرى الكثير من اصحاب القرار في واشنطن، ورقة رابحة و خط أحمر و هيبة لا يمكن الاستغناء عنها في حال من الاحوال، بل هذا مما قد يدفع بأمريكا بخطوة عسكرية صغيرة لاعادة الهيبة حسب رأيهم. رغم ارتفاع الكثير من الاصوات الداخلية المطالبة بوقف النفقات الخارجية و الاعتناء بالافلاس الداخلي التي وصلت حسب استطلاعات الرأي حتى قبل الازمة إلى 45 % من الامريكين الذين يرون أنه حان الوقت لوقف مصاريف الحروب الغير مجدية و هذا يجب ان يكون اولوية الحكومة المقبلة، مقابلة ل 35% من ثلاث سنوات. ولكن ربما لن يلقى سوى رجع صداه في القرار الأمريكي.وإن قررت أمريكا الانسحاب من العراق يوما ما في حرب كانت أهدافها اقتصادية بشكل كبير، فمن المستبعد جدا أن تسحب قواتها من الخليج حيث بقاءها يضمن لها بعدا أمنيا وسياسيا لا يمكن الاستغناء عنه في المنطقة خصوصا في جوار ايران.

_______________________________________________

الأزمة المالية و الشرق الأوسط:

أعلن اتحاد البنوك العربية عن حاجة ملحة لزيادة الاستثمارات الاقليمية لمواجهة آثار الأزمة مستقبليا، ودعا الاقتصاديين لاجتماع وزراء المالية لمناقشة آثار الوضع المالي الأمريكي على الاقتصادات العربية، ولكن علينا أن لا ننسى أن اقتصادات المنطقة تحوي بعض الاقتصادات المنغلقة التي تعد من أكثر اقتصادات العالم انغلاقا، كالاقتصاد السوري، واقتصادات مرتبطة عند الكثير بأنها مثال للافنتاح الاقتصادي، كالإمارات .

بالنسبة لاقتصادات دول الخليج فيتوقع أن تنجو من الضربات العنيفة للأزمة، ولكنها بالطبع لن تكون معزولة كليا.

في البداية راحت اقتصادات الخليج تتباهى بأنها لم تتأثر أبدا بالأزمة المالية الأمريكية، ثم ما لبثت المحللون أن بدؤوا يقلقون ازاء ما قد تحمل من آثار سلبية على الاقتصاد الخليجي و انخفاض أسعار الأسهم.

مع مرور الأيام يوما بعد يوم بدأ يتضح آثار الأزمة على سوق الأسهم الخليجية بانخفاضات متباينة، وبدا واضحا أنه كلما زاد ارتباط اقتصاد دولة بالسوق الامريكية واعتمادها عليه، كلما كانت الأضرار التي يتلقاها الاقتصاد أقوى.

حيث قام بنك الامارات المركزي بضخ ما يقارب 18 بليون دولار الأسبوع الماضي للبنوك وأعلن عن استعداه لضخ المزيد. فالاقتصاد الخليجي وان كان أكثر أمانا حاليا إلا أنه لا يملك حصانة ضد الطوفان الاقتصادي.ففي العام الماضي انخفضت اسعار الاسهم السعودية بنسبة 45%، ونفس القصة تكررت في العاصمة المالية للإمارات، دبي.
وكما يرى الكثير من المحللين، أن جوهر الاقتصاد الخليجي ما زال متينا رغم حصول بعض التقلبات الكبيرة.
فالاقتصاد الخليجي يملك ميزة عن بقية الاقتصادات الناشئة كالصين و الهند وهي النفط، ذلك المنتج الذي احتقر كل التقلبات وما زال يباع بأسعار مرتفعة نسبيا.

لا شك أن الطلب قد انخفض على النفط، وسيستمر هذا طوال فترة الركود الاقتصادي العالمي المتوقع، إلا أنه ما زال بعيدا جدا عن السقوط أو أن يسبب خوفا للحكومات الخليجية.

هناك الكثير من فائض السيولة في الخليج وشكل أساسا قويا لاستمثارات عديدة في الغرب، وهذه السيولة ستكون وسادة يستلقي عليها الاقتصاد الخليجي في حال ارتدت الأزمة على هذه الحكومات، ويتوقع المحللون استمرار النمو في الاقتصادات الخليجية رغم الظروف العالمية. يتوقع تباطؤ في النمو في بقية هذا العام على أن تتحسن الأمور في 2009.

ترى بعض مؤسسات الاستثمار والصناديق السيادية الخليجية أن الفرصة سانحة لشراء الكثير من الأصول في السوق الأمريكية والتي انخفضت أسعارها ومن الممكن أن ترتفع في السنوات القادمة مما سيشكل ربحا كبيرا لهذه الصناديق، رغم أن أن السوق الامريكية أصبحت أقل جاذبية للمستثمرين العرب قبل أن تبدأ الأزمة المالية بالتفجر، خصوصا بعد أن رفضت عدة استثمارات عربية في أمريكا، لأنها عربية (كقضية موانىء دبي في صفقة ادارتها لستة موانىء رئيسية في أمريكا، وعدة محاولات لأموال خليجية لشراء حصص في شركات أمريكية ضخمة حين تم رفض الصفقات من قبل الكونجرس معللا ذلك بأنه خطر على الأمن القومي الأمريكي).

_______________________________________________

سورية و الأزمة المالية:

تبقى سورية بمعزل نسبيا عن الاضرار المباشرة التي سببتها الازمة المالية الامريكية، ولكن الفائدة من تجنب هذا الضرر هي أقل بكثير من الضرر الذي يلحق وما زال يرهق الاقتصاد السوري بسبب العزلة العالمية، حيث أن الاقتصاد السوري هو بمعزل أصلا عن فوائد العولمة وهو بمعزل أيضا عن هزاتها.

ويفخر الجانب الرسمي في سورية بفضيلة الاقتصاد السوري وأن ذلك جعله بمعزل عن الاضطرابات العالمية، ويردد الإعلام السوري أن النهج الذي انتهجته سورية بعد 1998 والقيود على رأس المال جعلت سورية حصينة من الأزمة الحالية.

سوق الأسهم المالية لم بر النور بعد أما قطاع المصارف الخاصة و المؤسسات المالية فما زال غضا في بداياته، وتعاني سورية من أكثر نقاطها ضعفا وهي الاقتصاد و القطاع المالي، الذي تعرقل حياته عدم الكفاءة و نقص السيولة أكثر مما تعيقه العقوبات الأمريكية.

في العام السابق ارتفعت الاستثمارات الأجنبية في سورية بنسبة 47 % عما كانت عليه، ومعظم هذه الاستثمارات يعود لرؤوس الأموال الخليجية التي بدأت تستثمر في مشاريع عقارية في سورية. ويتوقع أن هذا التدفق سيضعف قليلا تأثرا بالأزمة المالية الأخيرة.

وكنتيجة للركود المتوقع في الاقتصاد العالمي، ستنخفض الصادرات السورية لبقية البلدان، مما سيؤثر سلبا على الاسواق السورية و وكافة القطاعات الصناعية و التجارية و الزراعية، مما سيؤدي بالنتيجة لعدة عوامل أهمها زيادة في نسبة البطالة المرتفعة أصلا.

وارتفع العجز في الميزانية السورية ليصل 10 % من الناتج القومي المحلي في السنة الأخيرة، وبلغ العجز التجاري ثلاث أضعاف عما كان عليه ليصل أكثر من بليوني دولار، أعلى مستوياته في عقدين. وتمضي الحكومة في رفع الدعم عن مشتقات النفط لتخفيف عبء هذه الفاتورة التي تتكبدها الميزانية وتشير الدراسات أن رفع أسعار البنزين سيوفر مبلغ ثمانية مليارات ليرة تقول الحكومة أنه سيذهب لصندوق الدعم الاجتماعي الذي تحضره الحكومة لدعم الأسر الفقيرة.


_______________________________________________

الأزمة المالية و أزمة الغذاء:

من الطبيعي أن يهتم العالم بالأزمة المالية، وأن يضعوا ازمة الغذاء في أولوايات متأخرة لأنها باختصار أزمة الفقراء. رغم وجود 10 آلاف طفل يموتون يوميا بسبب سوء التغذية في دول العالم الثالث.وستلقي الأزمة المالية بظلال سوداء على أزمة الغذاء نتيجة الركود الاقتصادي العالمي المتوقع، واعترف جوسيت شيران المدير التنفيذي لبرنامج الاغذية العالمي في يوم الغذاء العالمي 16 تشرين أول، بأنه "حتى مواطني الدول الغنية تأثروا بارتفاع اسعار الغذاء والازمة المالية ولكنها بالنسبة لاولئك الذين يعيشون على أقل من دولار واحد يوميا فهي مسألة حياة أو موت" و يتوقع أن تخفض الكثير من الدول المانحة للدول الأكثر فقرا الكثير من مساعداتها لتخفيف فاتورة النفقات، مما سيزيد من معاناة الدول الفقيرة التي ترزخ تحت ارتفاع مرعب لأسعار الغذاء الأساسي.

_______________________________________________

أمريكا بعد الأزمة:

سيناريوهات ما بعد الازمة:

يستطيع المحللون التنبؤ فقط و تخمين مستقبل الأزمة بشكل افتراضي لغموض الكثير من المعطيات حتى هذا الوقت، وسنحاول ان نستعرض بعض الاحتمالات بغض النظر عما اذا كانت جيدة لأمريكا أم لا.

1- سياسيا: يتوقع أن يحتكر الديموقراطيون السياسة في امريكا لعدة دورات متتالية.

2- تغير في هيكلة الاقتصاد.

3- انخفاض في أسعار النفط و الامدادات.

- التغير في هيكلة الاقتصاد الأمريكي:

1- دور أقل للسوق الحر.

2- سيطرة حكومية أكبر على الاقتصاد الأمريكي.

3- ضرائب أعلى .

4- اعتماد أقل على رؤوس الاموال الغير أمريكية.

النتيجة: نمو اقتصاد بطيء ولكن باستقرار أكبر، مع ثبات في الطبقات الاجتماعية أو ما يسمى ب Social Mobility

- دور أقل للسوق الحر: بغض النظر عن اقتناع الأمريكيين بسياسة السوق الحر، ولكن بعد خمس هزات عنيفة ابتداءا من 1980 وانتهاءا اليوم، معظم الامريكيين سيستسلم ويطلب تغييرا في هذه السياسة.

- سيطرة حكومية أكبر على الاقتصاد: بالاضافة إلى المزيد من التنظيمات التي ستدخلها الحكومة على الاقتصاد، سيصبح هناك خلل في توازن القطاع العام و الخاص في السوق الامريكية، خصوصا في حال تسلم الديموقراطيون للحكومة. فالحكومة قد تسلمت إدارة بعض اهم المؤسسات المالية في البلاد، وهي تمضي لاستلام المزيد. وإن أصر بعض المسؤولين الأمريكيين بأن شراء الحكومة حصص في المؤسسات المالية ليس عملية تأميم جزئي وإنما هو تدخل مؤقت.

- ضرائب أعلى، و أعلى: مصاريف التسلح و الاعداد العسكري، مصاريف الحروب في أفغانستان و العراق و الوجود العسكري في الخليج، مصاريف خطة الانقاذ، بالاضافة للمصاريف المتوقعة من الديموقراطيين في مجال القطاع الصحي في حال تسلموا الحكومة، كل هذا يترجم في فاتورة الضرائب على المواطنين.

- اعتماد اقل على الاستمثارات الخارجية: رؤوس الاموال المتدفقة من امريكا اللاتينية و اوربا ستنخفض بشكل تلقائي بعد الأزمة.

بالطبع ستخسر أمريكا سلطتها ونفوذها في العالم بدرجة معينة، لأن تكاليف هذه السيطرة وفواتيرها أصبحت رفاهية مكلفة جدا بالنسبة للديون الجديدة.

_______________________________________________________


الاقتصاد الإسلامي:

من الواضح أن نظام الاقتصاد في السنوات المقبلة سيتغير، وستبدأ الدول بالبحث عن نموذج جديد. ورد في تقرير البنك الدولي للمؤسسات عام 2000 أن هناك نوعين للأنظمة المالية في العالم: النظام المالي المعتمد على السوق Market based financial system النظام المالي المعتمد على المصارف banking based financial system وذكر التقرير أن ألمانيا أكثر الدول الصناعية التي تميل نحو النظام الأول، واليوم تبدو ألمانيا أقل الدول الصناعية السبعة تأثرا بالأزمة. وهو ربما ما ستنتهجه بعض الدول الصناعية لتنجب أزمات مالية مشابهة وستعدل عن النظام الرأسمالي المتشدد لتقترب من الوسط أكثر. وهو أقرب للاقتصاد الإسلامي.

ويقوم الاقتصاد الإسلامي على عدة مبادىء أهمها:
- منع الفائدة
- منع بيع ما لا يمتلكه الفرد وذلك لمنع المخاطرة الاقتصادية.
- الشفافية.
- تغليب المنفعة العامة على المنفعة الخاصة عند التضارب.
- الزكاة: من اغنياء المجتمع لفقرائه.
- منع الاحتكار.


ومعظمها يصب في صلب أسباب الأزمة المالية.


ولعل تجارب الاقتصاد الإسلامي و التي استمرت أكثر من الف عام قد ظلمت و غيبت عن التدوين، تحتاج الآن أكثر ما تحتاج لمن يملك الروح الريادية ليبدأ البحث و التفكير و التطبيق لما يمكن أن ينفع شعوب العالم بأسره، فإن لم نثق به كمنهج ينبع من ديننا، ألا نثق به كمنهج أوجد دولة بلا فقراء !! ومن الواضح أن التغيير سيأتي كما لم يتوقع أحد، فهم ما زالوا يملكون أفضل العقول، أفضل الجامعات، أفضل مراكز الأبحاث وافضل وسائل الإعلام، صحيح بأنها فقدت الكثير من ميزانيتها مما سيؤدي لتراجع أدائها بشكل طبيعي، ولكن لنكن موضوعيين، ما زالت الأفضل، وما زلنا في الوراء.

وللأسف الشديد غاب صوت الاقتصاد الإسلامي عن ساحة الأزمة حتى من دول الخليج، و دارت معظم التصريحات من الجهات الإسلامية في الدول العربية حول الشماتة بأمريكا وأن ما يحصل لها إن هو إلا عقوبة ربانية و استجابة لصلوات المسلمين. قد تكون الأزمة عقابا إلاهيا لأمريكا على ظلمها و تغطرسها فسنة الله هي سقوط الدولة الظالمة ولو بعد حين. ولكن والله أعلم ليست مكافأة لنا بحال من الأحوال. وعلت بعض الأصوات القليلة من المفكرين الإسلاميين بضرورة التعمق في الفكر الإسلامي وتقديم نموذج اقتصادي Economic Model . فنحن لا نلوم الدول الغربية التي لا يضبط اقتصادها سوى الربح و المنفقعة بمنظورها، ولكن نلوم الدول الإسلامية خصوصا صاحبة الاقتصادات الغنية التي أبت أن تعمل على توفير نموذج جديد وسارت في ركب الفكر الرأسمالي بايجابياته و أخطائه، وربما يأيتها يوم تنقلب الكرة عليها، وإذا كانت الأسواق الأمريكية التي يسودها القانون و الشفافية و العقول و الخبرات قد ضربتها أعاصير الأزمات وزعزعت بنيانها، فكيف بالدول التي تنعدم فيها الشفافية و يصنع القانون بشكل فوضوي ليلائم القلة المحظوظة في هذا المجتمع. كيف وهم ليسوا سوى مستوردين لهذا الفكر، بالكاد يفهمون آلياته ويرددون مصطلحاته، كيف وهم في مؤسساتهم يعتمدون على غيرهم في ادارتها و التخطيط لها. إن تغير النظام الاقتصادي العالمي أم لم يتغير، فستنتظر معظم الدول الإسلامية ( إلا ما رحم ربي) التغيير الجديد لتمضي فيه من دون تفكير، تابعة لا قائدة. مقلدة لا مجددة، ولربما يصل الفكر الغربي يوما ما لفكر اقتصادي قريب من الفكر الإسلامي (مفهوما لا عقيدة) قبل أن نصل إليه.

وإلى أولئك الذين ما زالوا يسيرون عميانا منذ عقود في ركب غيرهم، يجلبون لأنفسهم و لشعوبهم الدمار أقول: عندما تشتعل السفينة، حتى الكلاب تقفز منها وتسبح أملا في النجاة .... أرجو أن لا تكون الكلاب أذكى و أشجع منكم.



إبراهيم الأصيل

الإمارات

0 تعليقات:

إرسال تعليق